فصل: تفسير الآيات (52- 54):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآية رقم (49):

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)}
قوله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي} يعني في التأخر عن الجهاد.
{وَلاَ تَفْتِنِّي} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تكسبني الإثم بالعصيان في المخالفة، قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والزجاج.
والثاني: لا تصرفني عن شغلي، قاله ابن بحر.
والثالث: أنها نزلت في الجد بن قيس قال: ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مشتهر بالنساء، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد.
{أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} فيها وجهان:
أحدهما: في عذاب جهنم لقوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}
والثاني: في محنة النفاق وفتنة الشقاق.

.تفسير الآيات (50- 51):

{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)}
قوله عز وجل: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} يعني بالحسنة النصر.
{وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي أخذنا حذرنا فسلمنا.
{وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} أي بمصيبتك وسلامتهم.
قال الكلبي: عنى بالحسنة النصر يوم بدر، وبالمصيبة النكبة يوم أحد.
قوله عز وجل: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} فيه وجهان:
أحدهما: إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أنه يصيبنا من خير أو شر، لا أن ذلك بأفعالنا فنذمّ أو نحمد، وهو معنى قول الحسن.
والثاني: إلا ما كتب الله لنا في عاقبة أمرنا أنه ينصرنا ويعز دينه بنا.
{هُوَ مَوْلاَنَا} فيه وجهان:
أحدهما: مالكنا.
والثاني: حافظنا وناصرنا.
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي على معونته وتدبيره.

.تفسير الآيات (52- 54):

{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)}
قوله عز وجل: {قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} يعني النصر أو الشهادة وكلاهما حسنة لأن في النصر ظهور الدين، وفي الشهادة الجنة.
{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} يحتمل وجهين:
أحدهما: عذاب الاستئصال في الدنيا.
والثاني: عقاب العصيان في الآخرة.
{أَوْ بِأَيْدِينَا} يعني بقتل الكافر عند الظفر والمنافق مع الإذن فيه.

.تفسير الآيات (55- 57):

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)}
قوله عز وجل: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُم وَلآ أَوْلاَدُهُمْ} فيه خمسة أقاويل:
أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس وقتادة ويكون فيه تقديم وتأخير.
والثاني: إنما يريد الله ليعذبهم بما فرضه من الزكاة في أموالهم، يعني المنافقين. وهذا قول الحسن.
والثالث: ليعذبهم بمصائبهم في أموالهم أولادهم، قاله ابن زيد.
والرابع: ليعذبهم ببني أولادهم وغنيمة أموالهم، يعني المشركين، قاله بعض المتأخرين.
والخامس: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها، وكل هذا عذاب.
{وَتَزْهَقَ أَنفُسُهمْ} أي تهلك بشدة، من قوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإٍسراء: 81].
قوله عز وجل: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ} الآية، أما الملجأ ففيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه الحرز، قاله ابن عباس.
والثاني: الحصن، قاله قتادة.
والثالث: الموضع الحريز من الجبل، قاله الطبري.
والرابع: المهرب، قاله السدي. ومعاني هذه كلها متقاربة. وأما المغارات ففيها وجهان:
أحدهما: أنها الغيران في الجبال، قاله ابن عباس.
والثاني: المدخل الساتر لمن دخل فيه، قاله علي بن عيسى.
وأما المدَّخل ففيه وجهان:
أحدهما: أنه السرب في الأرض، قاله الطبري.
والثاني: أنه المدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة.
{لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} يعني هرباً من القتال وخذلاناً للمؤمنين.
{وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يسرعون، قال مهلهل:
لقد جمحت جماحاً في دمائهم ** حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا

.تفسير الآيات (58- 59):

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)}
قوله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية، فيه قولان:
أحدهما: أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء ويتكلم بالنفاق فإن أعطي رضي وإن منع سخط، فنزلت فيه الآية.
الثاني: ما روى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه الخويصرة التميمي فقال: اعدْل يا رسول الله، فقال: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلْ إِن لَّمْ أَعْدِلْ»؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال: «دَعْهُ». فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية.
وفي معنى يلمزك ثلاثة أوجه:
أحدها: يروزك ويسألك، قاله مجاهد.
والثاني: يغتابك، قاله ابن قتيبة.
والثالث: يعيبك، قال رؤبة:
قاربت بين عَنَقي وحجزي ** في ظل عصري باطلي ولمزي

.تفسير الآية رقم (60):

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}
قوله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَالْمَسَاكِينِ} اختلف أهل العلم فيها على ستة أقاويل:
أحدها: أن الفقير المحتاج المتعفف عن المسألة. والمسكين: المحتاج السائل، قاله ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد وزيد.
والثاني: أن الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين: هو الصحيح الجسم منهم، قاله قتادة.
والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين: غير المهاجرين، قاله الضحاك بن مزاحم وإبراهيم.
والرابع: أن الفقير من المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة.
والخامس: أن الفقير الذي لا شيء له لأن الحاجة قد كسرت فقاره، والمسكين الذي له ما لا يكفيه لكن يسكن إليه، قاله الشافعي.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس المسكين الذي لا مال له ولكن المسكين الأخلق الكسب. قال ابن عليّة: الأخلق المحارف عندنا وقال الشاعر:
لما رأى لُبَدُ النُّسور تطايرت ** رفع القوادم كالفقير الأعزل

والسادس: أن الفقير الذي له ما لا يكفيه، والمسكين: الذي ليس له شيء يسكن إليه قاله أبو حنيفة.
ثم قال {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} وهم السعاة المختصون بجبايتها وتفريقها قال الشاعر:
إن السُّعاة عصوك حين بعثتهم ** لم يفعلوا مما أمرت فتيلا

وليس الإمام من العاملين عليها ولا والي الإقليم.
وفي قدر نصيبهم منها قولان:
أحدهما: الثمن، لأنهم أحد الأصناف الثمانية، قال مجاهد والضحاك.
والثاني: قدر أجور أمثالهم، قاله عبد الله بن عمر.
{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية، وهم صنفان: مسلمون ومشركون.
فأما المسلمون فصنفان: صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم، كعقبة بن زيد وأبي سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس. وصنف آخر منهم كانت نياتهم في الإسلام حسنة فأعطوا تألفاً لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم. ويعطي كِلا الصنفين من سهم المؤلفة قلوبهم.
وأما المشركون فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى فيتألفهم دفعاً لأذاهم مثل عامر بن الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا مثل صفوان بن أمية.
وفي تألفهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسهم المسمى لهم من الصدقات قولان:
أحدهما: يعطونه ويتألفون به، قاله الحسن وطائفة.
والثاني: يمنعون منه ولا يعطونه لإعزاز الله دينه عن تألفهم، قاله جابر، وكلا القولين محكي عن الشافعي.
وقد روى حسان بن عطية قال: قال عمر رضي الله عنه وأتاه عيينة بن حصن يطلب من سهم المؤلفة قلوبهم فقال قد أغنى الله عنك وعن ضربائك {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29) أي ليس اليوم مؤلفة.
{وَفِي الرِّقابِ} فيهم قولان:
أحدهما: أنهم المكاتبون، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والشافعي.
والثاني: أنهم عبيد يُشترون بهذا السهم قاله ابن عباس ومالك.
{وَاْلْغَارِمِينَ} وهم الذين عليهم الدين يلزمهم غرمه، فإن ادّانوا في مصالح أنفسهم لم يعطوا إلا مع الفقر، وإن ادّانوا في المصالح العامة أعطوا مع الغنى والفقر.
واختلف فيمن ادّان في معصية على ثلاثة أقاويل:
أحدها لا يعطى لئلا يعان على معصية.
والثاني: يعطى لأن الغرم قد وجب، والمعصية قد انقضت.
والثالث: يعطى التائب منها ولا يعطى إن أصر عليها.
{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله يعطون سهمهم من الزكاة مع الغنى والفقر.
{وَابْنِ السَّبِيلِ} فيه قولان:
أحدهما: هو المسافر لا يجد نفقة سفره، يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنه الضيف، حكاه ابن الأنباري.

.تفسير الآية رقم (61):

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)}
قوله عز وجل: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي يصغي إلى كل أحد، فيسمع منه، قال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلّل بددن ** إن همي من سماع وأذن

{قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي يسمع الخير ويعمل به، لا أذن شر يفعله إذا سمعه.
قال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين كانوا يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون فيه ما لا يجوز، فنزلت هذه الآية فيهم.
وفي تأويلها وجهان:
أحدهما: أنهم كانوا يعيبونه بأنه أذن يسمع جميع ما يقال له، فجعلوا ذلك عيباً فيه.
والثاني: أنهم عابوه فقال أحدهم: كفوا فإني أخاف أن يبلغه فيعاقبنا، فقالوا: هو أُذن إذا أجبناه وحلفنا له صدقنا، فنسبوه بذلك إلى قبول العذر في الحق والباطل، قاله الكلبي ومقاتل.
وقيل إن قائل هذا نفيل بن الحارث.